مكتبة الشارقة العامة.. الشمعة الأولى


100 عام من العطاء المعرفي والثقافي والفكري والعلمي هو العنوان العريض للدور الكبير الذي لعبته أحد أعرق المكتبات العامة في منطقة الخليج والعالم العربي «مكتبة الشارقة العامة»، التي تأسست في العام 1925، ومنذ ذلك التاريخ ظلت تلعب دوراً مركزياً في الحياة المعرفية في الشارقة والدولة على وجه العموم، وتقف شامخة لتؤكد أهمية العلم والقراءة في حياة الشعوب وتطورها وازدهارها وانتقالها نحو الحضارة، إذ إن المكتبات العامة هي أحد الأركان المهمة في أي مشروع ثقافي، فدورها يتكامل مع المنظومة التعليمية سواء في المدارس أو الجامعات أو عملية التثقيف من أجل تخريج أجيال مسلحة بالفكر والمعرفة، فالمكتبة هي الشمعة الأولى التي توقد في أية حضارة.
مسيرة طويلة لمكتبة الشارقة، ومنعطفات متعددة، وتنقلات في أمكنة مختلفة من إمارة الثقافة، كان مبتدأها ساعة التأسيس علي يد الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، حاكم الشارقة في الفترة من «1924م -1951م» في قصره وأطلق عليها اسم «المكتبة القاسمية»، وظلت باقية في الحصن حتى سنة 1956، في ساحة الحصن والذي أطلق عليه اسم «المضيف»، وفي عهد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بدأ عهد جديد للمكتبة التي انتقلت للطابق العلوي لقاعة إفريقيا تحت مسمى «مكتبة الشارقة»، في سنة 1980م ومن بعدها رحلت المكتبة إلى مبنى المركز الثقافي بالشارقة سنة 1987، وفي عام 1998م تم نقلها إلى المدينة الجامعية، وأخيراً في مايو 2011م افتتح صاحب السمو حاكم الشارقة المبنى الجديد للمكتبة في ميدان قصر الثقافة حيث صارت تعرف اليوم ب«مكتبة الشارقة العامة».
وخلال كل تلك المحطات ظلت المكتبة هي العمود الفقري للفعل الثقافي في الإمارة، إضافة إلى الجانب التنويري والأكاديمي، وأخذت مكانتها تتطور مع ازدياد الحاجة للمعرفة والثقافة ضمن خطط الشارقة واستراتيجياتها التنموية التي تحتل فيها العلوم والمعارف موقعاً مركزياً في تعزيز وترسيخ الصناعة الثقافية والإبداعية والفنية، إذ إن المكتبات ليست، كما يظن البعض، مكاناً لحفظ الكتب والمراجع، بل يضج بالفعل من خلال تأثيرها الكبير والمتنوع، فهي بصورة رئيسية المرتكز والدعامة والمرجعية للبنية التحتية للمعرفة، والتي عبرها تنهض صروح المعارف والعلوم والأفكار، حيث أصبحت الثقافة عاملاً رئيسياً من عوامل التنمية الاقتصادية والتطور عبر المحتوى الذي يهم أكبر قاعدة من القراء والطلاب، لذلك فإن الشعوب التي تمتلك حضارات راسخة تهتم كثيراً بالمكتبات.
إن الاهتمام بوجود مكتبة ذات مكانة في الفعل الثقافي مثل مكتبة الشارقة، لم يكن معزولاً عن التاريخ الحضاري للأمة العربية، بل هو امتداد طبيعي له، حيث اشتهرت الثقافة والموروث العربي بوجود المكتبات منذ أزمنة قديمة، ولا يزال الكثير منها باقٍ في العديد من المدن والعواصم العربية دليلاً على رسوخ هذه الحضارة، ولئن كان لتلك المكتبات دور في النهوض العربي في السابق، فإن هذا الدور لا يزال قائماً، بل وتطور كثيراً، حيث أصبحت تلك الأماكن التي يقصدها طلاب العلم والمعرفة من أجل الاطّلاع على الكتب والمراجع المعرفية والعلمية والأكاديمية ذات شأن في صناعة التقدم والمضي إلى الأمام نحو حجز مكانة سامية بين الأمم المتقدمة، وقد ظل ذلك هو ديدن الشارقة في الاهتمام بالثقافة وبنيتها التحتية وعلى رأسها المكتبات العامة.
مع التطور الكبير والازدهار الذي تشهده الإمارة، فقد تناسلت من المكتبة الأم عدد من المكتبات الأخرى في أنحاء الشارقة المختلفة، فهناك «مكتبة خورفكان العامة»، والتي افتتحت في سنة 1989م تحت رعاية صاحب السمو حاكم الشارقة، وتقدم خدماتها ل 39,515 نسمة في مدينة خورفكان فقط، وأكثر في المناطق المحيطة، أما «مكتبة كلباء العامة»، فقد افتتحت في سنة 1989م، وتطل على كورنيش كلباء، وتقدم خدماتها ل 37,545 نسمة في مدينة كلباء فقط، وهناك «مكتبة دبا الحصن العامة»، وافتتحت في سنة 2003م وتقدم خدماتها ل 26,400 نسمة في مدينة دبا الحصن فقط، أما «مكتبة وادي الحلو العامة»، فهي تقف شاهدة على العزم الأكيد على أن تكون المعرفة وسرعة الوصول إليها متاحة في كل مناطق الإمارة القاصية منها والدانية، وافتتحت في سنة 2008م، وتقع بين مدينة كلباء ومدينة حتا، وتقدم المكتبة خدماتها ل 2,000 نسمة في قرية وادي الحلو فقط، وهناك «مكتبة الذيد العامة»، التي تقع في مدينة الذيد على سهل صحراوي شرق إمارة الشارقة، حيث تعتبر الواحة الخضراء في قلب المنطقة الوسطى، ومشهورة بزراعة النخيل الذي يُروى من مياه جبال الحجر القريبة عن طريق قنوات الفلج الموجودة منذ القدم، وافتتحت تلك المكتبة في سنة 2010م، وراء الكثبان الرملية، وتقدم خدماتها ل 20,165 نسمة في مدينة الذيد.
منظومة
واتحدت كل تلك المكتبات والمؤسسات تحت مسمى مكتبات الشارقة العامة تحت رعاية هيئة الشارقة للكتاب، حيث تقودها اليوم إيمان بوشليبي، وظلت تلك المؤسسة التي برزت كمنارة معرفية سامقة تقدم خدماتها للجميع داخل الدولة، وتمتلك الخطط والاستراتيجيات من أجل التطور العلمي والمعرفي، حيث تعتمد في ذلك التوجّه على عدة محاور وعلى رأسها «التعليم والتعلم»، حيث تعمل على توفير مصادر المعرفة بجميع أشكالها، وضمان الحفظ المنظم وخلق سهولة الوصول إليها في بيئة تعليمية آمنة وداعمة، وكذلك هناك محور «القراءة ومحو الأمية»، ويهدف إلى مكافحة الأمية بكل أشكالها وتنمية المهارات اللازمة لاكتساب المعرفة من خلال الكلمة المكتوبة والتكنولوجيا نحو التعلم مدى الحياة، أما محور «التنوع والشمولية»، فهو يهدف إلى توفير الخدمات بأشكال متعددة تلبي الاحتياجات المختلفة لمجتمعنا، مما يشجع استدامة مجتمع متعلم ومشارك، وتدور العمليات في مكتبات الشارقة العامة حول تسهيل الوصول إلى أكثر من ستة ملايين كتاب مطبوع وإلكتروني ومصدر إلكتروني بالإضافة إلى مجموعة من المخطوطات والكتب النادرة والكتب الصوتية بأكثر من إحدى وثلاثين لغة، بما في ذلك العربية والإنجليزية. علاوة على ذلك، الدخول المجاني إلى أكثر من ثلاثمئة برنامج ونشاط ومبادرة سنوية. وتشمل جميع الخدمات المقدمة العضوية والإعارة، والخدمات المرجعية، وطلبات التزويد والإهداءات، وحجز المرافق، الاستخدام المجاني لأجهزة الكمبيوتر والإنترنت، وغيرها الخدمات الحصرية الأخرى، إذ إن التطور الكبير في عمل المكتبات شمل التكنولوجيا الحديثة التي اعتمدت داخلها في العديد من العمليات منها سرعة الوصول إلى المرجع والبحث داخلها، حيث تحرص تلك المكتبات بفروعها الستة على خدمة المجتمع لاستكشاف المعرفة والمعلومات والعلم والثقافة من خلال مصادرها الغنية والمتنوعة، والإسهام في عملية التنمية والتطور.
نشاط ومحتويات
تفتح مكتبات الشارقة العامة أبوابها على مدار السنة، وهي تستقبل أكثر من 200 ألف زائر في كل عام، في مؤشر يعكس حجم استفادة مختلف الشرائح والجنسيات والفئات العمرية في الإمارة من مخزونها المعرفي وبرامجها الثقافية، كما يعكس دورها في رفع معدلات القراءة واعتماد المكتبة كمصدر للوصول إلى مجتمع المعرفة، وخيارات التعلم مدى الحياة، وهي مهمة جليلة ظلت تقوم بها بجهد متواصل وأساليب علمية مبتكرة، وتضم هذه المكتبات بفروعها المختلفة أكثر من 6 ملايين مصدر معرفي إلكتروني، وذلك من أجل مواكبة حاجة القراء إلى المؤلفات بصورة عصرية، وتعتبر تلك النسبة مرتفعة مقارنة بأكبر المكتبات العالمية، وظلت المكتبات تقدم محتوى متنوعاً ومتعدداً لمختلف الجنسيات، حيث تتوزع مصادرها المعرفية على 33 لغة عالمية، وتضع في اعتبارها التنوع العرقي والثقافي للمقيمين داخل الإمارة والدولة، وفي ذات الوقت تعمل على أن تعكس ثراء المعارف والعلوم والآداب والفنون العالمية وتوثق كل ما يمكن أن تنتجه الحضارة الإنسانية عبر تلك اللغات المختلفة، وبقدر تنوع جمهورها واختلاف أهدافهم وما يبحثون عنه من خلال القراءة، وبجانب مصادرها الإلكترونية، توفر مكتبات الشارقة العامة ما يقرب من 742 ألف مادة أو وعاء معرفي من الكتب والمراجع في مختلف الفنون والعلوم والمعارف، كما تضم 15 ألف دورية.
معارف وتخصصات
يضم الطابق الأول من مكتبة الشارقة العامة مؤلفات تتوزع على مختلف التخصصات، في صالة كبيرة للقراءة في أجواء يسودها الهدوء التام، ويتضمن هذا القسم إصدارات في اللغة العربية وآدابها، والتاريخ، والجغرافيا، والقانون، والفقه، والحضارات الإسلامية، وأصول الدين، والأدب العربي، والفنون الجميلة، والفلسفة، وعلم النفس، والاجتماع، والعلوم السياسية، والاقتصاد، والإدارة العامة والعلوم العسكرية، والخدمات الاجتماعية، والتربية والتعليم، والتجارة والمواصلات، والعادات والتقاليد، والعلوم الإنسانية المختلفة، والعلوم التطبيقية، والرياضيات، واللغات المختلفة، والحديث الشريف وعلومه، والتوحيد، والتصوف الإسلامي، والديانات المختلفة، والمعارف العامة والتراث.
أما الطابق الثاني، فهو يضم ذات المراجع والكتب والأقسام الموجودة في الطابق الأول، ولكن باللغة الإنجليزية، إضافة إلى أقسام تضم المؤلفات الإماراتية والخليجية، وتضم المكتبة كذلك مكاتب وأقساماً إدارية وغرفاً للعمليات التقنية ومقاهي، إضافة إلى عدد كبير من العمال والموظفين الذين يقفون على خدمة زوار المكتبة ومرتاديها من القراء وطلاب العلم.
مجلات ودوريات نادرة
في الطابق الأرضي لمكتبة الشارقة العامة، يوجد قسم للدوريات والمجلات النادرة والقديمة في العالم العربي، وتضم العديد من المجلدات والإصدارات في أجزاء مختلفة، مثل مجلة «القضاء الشرعي»، ومجلة«جامعة أم القرى»، ومجلة«العربي»، و«الرسالة»، ومجلة«المكتبات»، ومجلة»المجمع العلمي«في دمشق، ومجلة«العلوم الإنسانية»، وغير ذلك من المجلات الثقافية في التاريخ العربي والإصدارات والفصليات والدوريات العلمية المحكمة، وفي ذات الطابق توجد قاعة كبيرة للقراءة والاطلاع مزودة بوسائل تكنولوجية حديثة، ولعل اللافت هو ذلك قسم»الآمدي«المخصص لأصحاب الإعاقة البصرية»أصحاب الهمم«، حيث إن جميع المؤلفات فيه كتبت عبر ما بات يعرف بطريقة«برايل»، وحمل القسم ذلك الاسم نسبة لزين الدين علي بن أحمد الآمدي الذي عاش في حدود سنة سبعمئة للهجرة وكان هو السابق في مضمار الكتابة البارزة للمعاقين بصرياً، وسبق بها «لويس برايل»، الذي استنبط في سنة 1829م الأسلوب المنسوب إليه لتعليم القراءة والكتابة لذوي الإعاقة البصرية، ويضم هذا القسم العديد من الوسائل والتقنيات الحديثة، وهناك أيضاً قسم الأطفال ويضم كذلك غرفة لأنشطة الصغار وألعابهم، إضافة إلى قسم تصنيف الكتب وآخر الإصدارات والمؤلفات التي أنتجتها دور النشر العربية.